اسماعيل بن محمد القونوي

484

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

انتهى فما لم يؤكل ولو سلم ذلك فدليلنا النقلي سالم عن هذه المناقشة وقيل أقول الجواب عن الأول هو أن المفروض مرزوقا هو الصبي قبل البلوغ وقبل أن يكون أهلا للاكتساب ولو كان بالغا قادرا يفرض أنه تعالى لم يسق إليه شيئا من المباح فإن قيل فحينئذ يكون مضطرا فيباح له ذلك قلنا قد تقرر في الأصول إن المحرم والحرمة باقيان في صورة الاضطرار وأما عن الثاني فهو أن معنى الآية واللّه أعلم وما من دابة تتصف بالمرزوقية إلا على اللّه رزقها كما قالوا معنى قولهم كل حيوان يذبح بالسكين كل حيوان يتصف بالمذبوحية ليندفع السمك انتهى ولا يخفى عليك إن هذا المعنى لا يناسب جزالة النظم الجليل إذ تخصيص العام إما باللفظ المستقل أو الغير المستقل وإما بغير اللفظ كالعقد والعرف والعادة والكل منتف هنا وأما المثال المذكور فمخصص بالعادة والوجه ما قدمناه . قوله : ( وأنفق الشيء وأنفذه أخوان ) خلا أن في الثاني معنى الإذهاب بالكلية دون الأول والمراد بالإخوة توافقهما في الاشتقاق الأكبر وهو الاشتراك في أصل المعنى وأكثر الحروف مع التناسب في الباقي في المخرج وإلى هذا أشار بقوله ( ولو استقربت الألفاظ ) حيث اقتصر على الفاء والعين ( وجدت كل ما فاءه نونا وعينه فاء ) نقد ونفذ ونفر ونفس ونفث ونفح ونفخ ونفى ونفض ونفل دالا على معنى الذهاب وإن لم يكن الذهاب بالكلية وكذا الخروج والإنفاق يذهب بسببه بعض المال . قوله : ( والظاهر من إنفاق ما رزقهم اللّه تعالى صرف المال ) إذ إبقاء المطلق على إطلاقه ما لم يتحقق ما يوجب التقييد هو الظاهر بل بمنزلة الواجب وهنا كذلك وإنما قال صرف المال مع أن الظاهر صرف الرزق تنبيها على أن الرزق هنا كما أشار إليه في تفسيره مطلق المال لا بمعنى ما ساقه اللّه تعالى إلى الحيوان ليأكله وقد يقال إطلاق الرزق على قوله : وأنفق الشيء وانفده أخوان أي هما يتناسبان في المعنى فبينهما اشتقاق أكبر فإن بينهما تناسبا في التركيب أي في أكثر حروفه والمعنى لأن كل واحد منهما مشتمل على معنى الذهاب والخروج وكذا كل ما فاؤه نون وعينه فاء مثل نفث ونفر ونفس ونفل ونفع ونفى . قوله : والظاهر من هذا الإنفاق صرف المال إلى آخره أي صرف المال في سبل الخير مطلقا من غير تخصيصه بالإنفاق الواجب وجه ظهور معنى الإطلاق أنسب للمدح من التقييد لإفادته أنهم ينفقون من كل جنس ما يحمد به فإن المقام المدح ومن أراد به الزكاة المفروضة نظر إلى أنها هي التي تقترن بمطلق الصلاة نحو قوله تعالى : أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ [ البقرة : 43 ] وقولهم باب الصلاة وباب الزكاة فإن اقتران ذكر الزكاة بذكر الصلاة في مواضع كثيرة قرينة لكون المراد به ههنا الزكاة المفروضة لوقوعه في قرآن الصلاة وهو المعنى بقوله أو خصصه بها لاقترانه بما هو شقيقها أو نظرا إلى أن الزكاة أفضل أنواع الإنفاق والأصل فيه فإن مرتبة قرب الفرائض أعلى وأسنى من مرتبة قرب النوافل وما يحصل به زيادة القرب من العبادات فهو أفضل من سائرها وهو الأصل فيها قال صاحب الكشاف وجائز أن يراد به الزكاة المفروضة لاقترانه بأخت الزكاة وشقيقتها وهي الصلاة وأن تراد هي وغيرها من النفقات في سبل الخير لمجيئه مطلقا يصلح أن يتناول كل منفق .